السيد صادق الموسوي

17

تمام نهج البلاغة

مقدمة الكتاب بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للهّ الذي تفضّل بالخلق أول ما برى ، وكرّم آدم وبنيه على كافة الورى ، وخصّهم بنفخ روح منه دون سائر ما ذرى ، وأنعم برسل من عنده لهداية البريّة ، وأنبياء لإنقاذ البشرية ، وقادة أبرار لنجاة الإنسانية ، ثم أتمّ ، سبحانه ، منتّه بختم النبوّة بمحمّد ، وتكميل الرسالة بالمجتبى أحمد ، صلّى وسلم عليه وآله اللّه الأحد ، أكرم خلق اللّه حسبا ، وأشرفهم نسبا ، وأطهرهم كسبا ، وأحسنهم خلقا ، وأعظمهم خلقا ، وأقلّهم حنقا ، أذهب به من الصدور العداوات الواغرة ، وآخى به بين القبائل بعد الحروب الدائرة ، وأزال به من بين الأمم والشعوب العصبيات الثائرة ، ووضع به عن الفقراء والعبيد الآصار والأغلال ، وجعل الإيمان والتقوى ميزان الإكرام والإفضال ، وبسط به بين الناس العدل ووسّع للعباد في النّوال . ولمّا دنا الأجل من المصطفى ، وقربت منه المنيّة التي لزمت الورى ، وأوشك القدوم على الحياة الأخرى ، أمره اللّه تعالى بالوصيّة بالكتاب والعترة ، وأوحى إليه وجوب نصب أولياء للأمّة ، وتعيين الأئمة حملة راية الهدى بعده ، كي لا ينحرف المسلمون بعد موته عن نيّر منهاجهم ، ولا ينقلب المؤمنون فور لقائه ربهّ على أعقابهم ، ولا يفقد الناس عقب ارتحاله من يقيمهم على قويم صراطهم ، فكان الأوّل أوّل من آمن ، وأسبق من أذعن ، وأخلص من أيقن ، وأوفى من عاهد ، وأكثر من جاهد ، وأشجع من جالد ، وأعلم من قضى ، وأفقه من درى ، وأصدق من روى ، وليد بيت اللّه وربيب الرسول ، وو زوج سيدة النساء فاطمة البتول ، والمطعم لوجه اللّه النازل فيه آية القبول ، حيدر الكرّار ، وصاحب سيف ذي الفقار ، وخفّاق راية الدين في البراري والقفار ، فكان هو الوفيّ الأعظم للإسلام ، ومنازل أعدائه كالأسد الضرغام ، ومناهض الأوثان ومحطّم الأصنام ، والمخلص الأكبر للنبيّ الهمام ، والفادي نفسه عن نفس سيد الأنام ، والذابّ عنه أذى المشركين اللئام ، والمثل الأعلى للجود والهشام ، والمطعم السائل ما عنده من الطعام ، والمصدّق بخاتمه راكعا بعد قيام ، الذي حسده المتخلفون عنه في رفع راية الهدى ، ووثب عليه المتعلّمون منه أصول الإيمان والتّقى ، وشجع عليه المولّون أدبارهم في سوح الوغى ، فتواطئوا عليه ، رغم بيعة الغدير ، جهارا ، وتنادوا ليسلبوه ثوبا اختصه اللّه له دثارا ، وأهملوا نبيّهم بين يديه لينالوا من الدنيا حطاما قتارا ، فتداول الإمرة من ليسوا بالأفضلين ولا الأعلمين ولا الأورعين ، وتوارث السلطان من ليسوا بالأعدلين ولا الأفقهين ولا الأجدرين ، فاتّخذوا مال اللّه والمسلمين دولا ، وعباده المؤمنين خولا ، وكتاب اللّه المجيد دخلا ، وكانوا على الصالحين حربا ، وللفاسقين حزبا ، وعلى العادلين إلبا ، فتوزّعوا فيما بينهم القطائع ، وتهافتوا على الدّنيّة كما الإبل الروابع ( 1 ) ، وارتكبوا في حقّ الإسلام الفظائع ، طردوا حبيب الرسول ، وأعادوا طريد الرسول ، وآذوا بضعته الزهراء البتول . ولمّا أدركت الأمة ضلالها ، وعاد إليها صوابها ، وذاقت مرّ الجور من ولاتها ، أجمعت على الرضا ببيعة من تواطأت عليه ،

--> ( 1 ) - الإبل الروابع : التي تحبس عن الماء ثلاثة أيام وترد في اليوم الرابع .